صفحة الرأي السورية على موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك : https://www.facebook.com/Alraai-news-978938612197673/
وزارة التنمية الإدارية.. سلام سفاف..        مقابلة الرئيس بشار الأسد مع قناة تي بي إس اليابانية        مقابلة الرئيس #الأسد مع تلفزيون RTP البرتغالي        مقابلة الرئيس الأسد مع وكالة أسوشتيد برس        مقابلة الرئيس الأسد مع قناة NBC الامريكية        تشكيل الحكومة السورية الجديدة        لقاء الرئيس الاسد مع محطة SBS        زيارة السيدة أسماء_الأسد‬ لدار الرحمة لرعاية اليتيمات        انتخابات مجلس الشعب 2016        الرئيس الأسد في مقابلة لوكالتي ريا نوفوستي وسبوتنيك الروسيتين        
نجمة وطن :بقلم:م. فواز بدور
انا المسلم الذي يصلي كل أحد..بقلم: سومر كمال الدين
فساد الثقافة أم ثقافة الفساد
الإصلاح الإداري – منهجيته – تطبيقاته أسباب مقاومة التغيير
أمةٌ لم تفهم ما قيلَ لها وما قيلَ وسيُقال ...
وفد من أعضاء مجلس مدينة دمشق يزور مشاريع مؤسسة الآغا ...
بطولة كرة القدم للسيدات في سوريا ...
المنتخب السوري للمصارعة في مقدونيا ...
الرأي السورية - المحامي: أحمد أسعد العمر

نحن شعوب الأمم المتحدة وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي من خلال جيل واحد جلبت على الإنسانية أحزاناً يعجز عنها الوصف، وأن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وبقدره، وبما لا للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية، وأن نبين الأحوال التي يمكن في ظلها تحقيق العدالة واحترام الالتزامات الناشئة عن المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي، وأن ندفع بالرقي الاجتماعي قدماً، وأن نرفع مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح.. فقد قررنا أن نوحد جهودنا لتحقيق هذه الأغراض ولهذا فإن حكوماتنا المختلفة على يد مندوبيها المجتمعين في مدينة «سان فرنسيسكو» الذين قدموا وثائق التفويض المستوفية للشرائط فقد اقتضى ميثاق الأمم المتحدة هذا وأنشئ بمقتضاها هيئة دولية تسمى الأمم المتحدة.

هذا ما ورد في الديباجة التي تضمنها ميثاق الأمم المتحدة الذي جاء ليضع حداً للحروب في العالم وينظم العلاقات بين الدول على أساس المساواة في السيادة وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، ولكن للأسف الشديد فالواقع العملي يشهد عكس ذلك تماماً فقد ظهر جلياً بأن الأمم المتحدة كانت بعيدة تماماً عن تطبيق ما جاء في ديباجتها، وتاريخها الطويل خير شاهد على سعيها الدؤوب إلى التفريق بين الأمم وتبني موقف الدول القوية التي اتخذت من الأمم المتحدة وفروعها كافة ساحة لشرعنة أفعالها وممارساتها التي تعد جرائم وتجاوزات قانونية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.

ففي الوقت الذي ترتفع فيه حرارة المواقف والتصريحات الدولية تارة وتخبو تارة أخرى لمواكبة التحركات الداخلية السورية وتطورات أزمتها التي نأمل كسوريين أن تكون عابرة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع السوري، وفي خضم مؤتمرات الحوار التي نرجو لها أن تثمر الديمقراطية والحرية والتعددية لخلق مجتمع مدني متنور مستمد من خلود إرثه الحضاري، ويضيفها ألقاً على ثمار الإصلاحات الحديثة التي بدأت بالظهور الملموس إلى حيز الواقع العملي، والتي من المؤكد أنه بتطورها سوف نرتقي إلى ما نصبو إليه جميعاً، مع الأخذ بعين الاعتبار أننا على يقين بأن ما تتعرض له سورية هو ثمن لمواقفها الوطنية والقومية لمواجهتها لمخططات الهيمنة وثمناً لوقوفها في وجه المشروع الأمريكي والصهيوني في المنطقة.. وزيارة السفير الأميركي في دمشق «روبرت فورد» والسفير الفرنسي في دمشق «إريك شوفاليه» إلى مدينة حماة السورية ما هو إلا استمرار لمواقفها الوطنية والقومية التي لن تحيد عنها السياسة السورية وجعلتها كخط أحمر لا يجوز لأحد أن يتجاوزه، ولكن هذه الزيارة لم تكن أمراً مستبعداً على دول تتالت منها التصريحات والتهديدات المبطنة والمعلنة والصادرة من الإدارة الأمريكية سواء منها المتعلقة بفقدان الشرعية للرئيس السوري بشار الأسد بحسب رؤيتهم الباطلة أم فرضهم للعقوبات الواهية التي فرضوها بهدف التغطية على المراهقة السياسية والدبلوماسية للسفير الأميركي، والتي لا تبتعد عن استراتيجية التفكير الأميركي في التعامل مع بقية الشعوب باستضعاف واستعلاء واستهتار واستكبار وهذا ما يرفضه شعبنا بمختلف شرائحه وفئاته وطوائفه وطبقاته، وخاصة أن هذه الزيارة تزامنت مع انعقاد اللقاء التشاوري لهيئة الحوار الوطني فجاءت منهم هذه الزيارة محاولة لإفشال وعرقلة أي خطوة وفاق وطني وتوافق وطني مرتقب من أطياف الشعب السوري كافة؛ لذلك ما سنتناوله في مقالتنا هذه هي الزيارة التي قام بها كل من السفيرين إلى حماة وفق قواعد ومبادئ منظمة الأمم المتحدة أولاً واتفاقية فيينا التي نظمت العلاقات الدبلوماسية سنة 1961، ومن ثم نتعرض إلى الأدوات القانونية التي تمتلكها الحكومة السورية للوقوف في وجه مثل هذه التحركات اللا شرعية.

أولاً: موقف ميثاق الأمم المتحدة: لا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نعتبر الزيارة التي قام بها السفيران اطلاعية للتعرف على معالم مدينة حماة أو للتشجيع على زيارتها للاطلاع على معالمها السياحية، أو للوقوف على أطلال النواعير بل هي محاولة لرفع حالة التوتر في البلاد من خلال تطاول الولايات المتحدة على الدول الذي يرفضه المنطق السياسي السوري كما ترفضه شخصية الدولة بالتطور الطبيعي للعمل الدبلوماسي.

والجدير بالذكر هو أن هذا التدخل السافر في شؤون الدول الأخرى نص عليه ميثاق الأمم المتحدة ووضع له حداً من خلال عدم جواز تدخل أي دولة بالشؤون الداخلية للدول الأخرى، فالمادة الثالثة من ميثاق الأمم المتحدة تحدثت بشكل أساسي عن عمل الهيئة لتحقيق مقاصدها في حفظ السلم والأمن الدوليين، وإنماء العلاقات الودية بين الدول، وتحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية، ولأجل ذلك حددت مجموعة من المبادئ منها بأن العلاقة بين الدول كافة تقوم على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها والامتناع عن تدخل في شؤون الدول الأخرى التي تدخل في صميم السلطان الداخلي لدولة ما.. من هنا نجد أن العلاقة بين السيادة ومبدأ عدم التدخل هي علاقة حتمية، فلا يمكن منطقياً لدولة ما أن تكون حرة ومستقلة وذات سيادة إذا ما تدخلت بها دولة أخرى، فالقانون الدولي عندما يحرم التدخل فهو يهتم بالدرجة الأولى بأطراف العلاقة فالتدخل المحظور هو الذي تمارسه دولة ضد دولة ما، وبالتالي ليس لأي دولة أو شخص دولي أن يتدخل في شؤون دولة ذات سيادة، فالأمم المتحدة أكدت في ميثاقها منذ إنشائها على تكريس مبدأ عدم التدخل وتعزيز مضمونه كقاعدة تسري على العلاقات بين الدول على اختلاف أنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتسعى الأمم المتحدة من وراء ذلك إلى تحقيق أحد أهم أهدافها ومبادئها الأساسية ألا وهي مهمة حفظ السلم والأمن الدوليين.

وهذا المبدأ إضافةً إلى أنه يمتد من المنظمة نفسها كشخص دولي تجاه الدول الأخرى مع بعض الاستثناءات فهو جاء كمبدأ عام ومن دون أي استثناء بالنسبة للعلاقة بين الدول حيث نجد أن الدول يقع على عاتقها التزام بموجب المادة 25 من الميثاق والتي جاء فيها: «يتعهد أعضاء الأمم المتحدة بقبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها وفقاً لهذا الميثاق» والتدخل التي حظر ميثاق الأمم المتحدة القيام به لا يشمل التدخل العسكري فقط بل يمتد إلى التدخل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والذي تم التأكيد عليه في العديد من قرارات الجمعية العامة ومنها: القرار 2131 لعام 1965، والقرار 2625 لعام 1970، والذي نص على حق الدول في اختيار وتطوير نظامها السياسي والاقتصادي والثقافي، والقرار رقم 31/9 لعام 1976 الذي تعرض إلى تقديم المساعدة أو التهديد برفض تقديم المساعدة باعتبارها شكلاً من أشكال التدخل.

زيارة السفيرين إلى حماة دون إذن في ظل الأوضاع الحاصلة يعتبر تدخلاً سافراً في شؤون الدولة

وبالتالي قيام السفيرين بزيارة مدينة حماة السورية دون إذن أو تصريح من الحكومة السورية في ظل الأوضاع الحاصلة في البلاد يعتبر تدخلاً سافراً في شؤون الدولة السورية، وكذلك يعتبر هذا العمل الاستفزازي مخالفة صريحة وواضحة لقرار الجمعية العامة المتخذ في 24 تشرين الأول 1970، والذي نص على أنه لا يحق لأي دولة أو مجموعة من الدول أن تتدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة أو لأي سبب كان في الشؤون الداخلية أو الخارجية لأي دولة إعمالاً لمبدأ عدم التدخل وكسبب لتحقيق مبدأ السيادة والمساواة بين الدول.. من هنا نجد أن الميثاق قد تصدى لحالة التدخل غير المشروع في شؤون توصف بالداخلية لدولة ما ونص عليها صراحة وأوجب عليها عقوبات لكل من تجاوز هذه المواد، ولكن كما ذكرنا في مقدمة هذه المقالة فنصوص الميثاق لم تبقَ حبراً على ورق بل ترجمت بشكل معاكس على أرض الواقع، ولكن ليس في كل الحالات، فقط في الحالات التي تكون هناك مصالح للدولة المتدخلة في الدولة التي يتم التدخل في شؤونها، ففي هذا الوضع ينقلب ميثاق الأمم المتحدة أوتوماتيكياً ليصبح سيفاً مسلطاً على رقاب الدول التي تناهض مشاريع الدول الكبرى ومصالحها.

فبدلاً من أن يصدر مجلس الأمن وبأضعف حالاته بياناً يستنكر ويشجب الفعل الذي قام به السفيران فقد انعكس الموقف تماماً عندما أصدر بتاريخ 12/7/2011 بياناً ندد فيه بأشد العبارات ما أسماه هجمات المتظاهرين السوريين على السفارتين الأميركية والفرنسية في دمشق داعياً السلطات السورية إلى حماية المنشآت الدبلوماسية والدبلوماسيين.

مع العلم أن هذه الخطوة التي قام بها المتظاهرون تشكل رد فعل طبيعياً وحالة قانونية للرد على الاعتداء الذي تم على مدينتهم، ومحاولة السفيرين إلى تأجيج الاحتجاجات ورفع حالة التوتر في البلاد، فكان الرد العلاجي من جانب الشعب الذي حاول عبر التظاهر أمام السفارتين إيصال رسالة إلى الدول المعنية بالكف عن التدخل في حياة الدول الأخرى حيث يمكننا أن نطبق على هذا الفعل حالة الدفاع الشرعي، فقيام السفيرين بزيارة حماة ما هو إلا اعتداء على السيادة الوطنية، والرد كان بالدفاع الشرعي عن البلاد من أجل رد المعتدين وتوجيه رسالة لهم بأن الشعب السوري لا يحتاج منكم إلى أي دعم أو مؤازرة كما أطلقوا على زيارتهم، ففضائحكم في العراق وليبيا قد ذاع صيتها وسجلكم الحافل في انتهاك حقوق الإنسان، وردم الديمقراطيات واستعمار الشعوب والتدخل في شؤونها ماثلة أمامنا ولستم أنتم من تعطون الدروس في الديمقراطيات فنحن أصحاب الأرض الذين نقرر مصيرنا من دون تدخلكم اللعين!

موقف اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية سنة 1961: تعتبر اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية هي الاتفاقية الدولية الإطارية التي نظمت للعمل الدبلوماسي بين الدول وبين الدول والمنظمات الدولية أو الأشخاص الدوليين بشكل عام، وقد تصدت هذه الاتفاقية إلى العديد من الإشكاليات التي قد تثور في الحقل الدبلوماسي، وما سنتعرض له في هذا الصدد هو هل تعتبر زيارة كل من السفيرين مخالفة أم متفقة مع قواعد النظام الدبلوماسي؟

تنص المادة 41 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية في فقرتها الأولى على ما يلي: «يجب على جميع المتمتعين بالامتيازات والحصانات مع عدم الإخلال بها احترام قوانين الدولة المعتمد لديها وأنظمتها ويجب عليهم كذلك عدم التدخل في شؤونهم الداخلية».

انطلاقاً من هذه المادة نجد أن القانون الدولي ألزم الدبلوماسيين على احترام قوانين الدولة الموفدين إليها وهذا ما يدحض قول بعض القائلين إن الدبلوماسي غير ملتزم باحترام قوانين الدولة المعتمد لديها، بل إن المفوضين الدبلوماسيين ملتزمون باحترام القواعد والأنظمة في الدولة المعتمدين لديها إلا إذا كان هناك امتياز أو حصانة تعفيه من ذلك.

وبالتالي يعتبر مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية كمبدأ عام لا يجوز خرقه أو تجاوزه من قبل المبعوثين الدبلوماسيين، ولكن هناك بعض الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة من خلال سلسلة من الخروقات في هذا المجال تعطي للتدخل مفهوماً نسبياً يكون له صفة التغير حسب الوقت والشكل والدولة، ويعتمد على وجهات نظر الحكومات وموقفها منه لأنه في كثير من الأحيان ما يتعرض هذا المبدأ إلى تأويلات وتفسيرات مختلفة حسب وجهة نظر كل دولة في أي موضوع، فما يعتبر تدخلاً من جانب دولة معينة لا يعتبر كذلك من قبل دولة أخرى، كما حصل في قطع العلاقات الدبلوماسية بين العراق وموريتانيا التي أبعدت السفير العراقي عام 1998 بحجة أنه يتدخل في شؤونها الداخلية ولكن من الأمور المتفق عليها ولا خلاف حولها هو أنه يتوجب على الدبلوماسي الحذر من تحريك الاضطرابات وتجنب الاتصال بالمعارضة البرلمانية أو غير البرلمانية والأمثلة على ذلك عديدة نذكر منها:

القانون الدولي ألزم الدبلوماسيين على احترام قوانين الدولة الموفدين إليها

1- طرد الحكومة البوليفية عام 1966 القائم بالأعمال الكوبي لاشتراكه في المطالب الاجتماعية في الاضطرابات العمالية التي جرت في العاصمة لاباز.

2- طرد الحكومة النيكاراغوية سنة 1998 للدبلوماسيين الأمريكيين الذين اتهموا بالتحريض على اضطرابات المعلمين في البلاد.

3- التصريح الذي أدلى به سفير الولايات المتحدة في لندن عام 1985 عندما أعلن في لندن أن الولايات المتحدة تعارض دخول جمهورية الصين الشعبية للأمم المتحدة، في الوقت الذي كانت فيه بريطانيا قد اعترفت بالصين الشعبية، وفي ذلك الوقت لاقى هذا التصريح استياءً كبيراً من بريطانيا واعتبرت هذه التصريحات مخالفة للأعراف الدبلوماسية.

4- التصريح الذي أدلى به السفير الأمريكي في كندا سنة 1983 والذي أكد فيه أن كندا تنفق على الخدمات الاجتماعية أكثر مما تنفق على دفاعها، وتصريح السفير الإسرائيلي في بروكسل سنة 1982 الذي هاجم فيه الصحافة البلجيكية واتهمها بالكذب ما دفع بوزير الخارجية البلجيكي إلى اعتبار هذا التصريح  تدخلاً في التصور البلجيكي لحرية الصحافة.

وبشكل عام نجد أن هذه المادة قد حظرت على الدبلوماسيين الدفاع عن مسائل تتعلق بحقوق الإنسان في الدولة المعتمد لديها عندما تكون مصالح الدولة أبعد من أن تمس لأن ذلك يعتبر تدخلاً في الشؤون الداخلية لتلك الدولة، كذلك يفترض بالدبلوماسيين عند التحدث في مكان ما في الدولة المعتمدين لديها عدم التطرق للأوضاع والسلوكيات السيئة لهذه الدولة فربما هذا الأمر يعتبر تدخلاً في الشؤون الداخلية ويؤدي إلى توتر العلاقات وربما إلى قطعها، وبالتالي نجد أن قيام كل من السفيرين بزيارة مدينة حماة هي مخالفة واضحة للمادة 41 من الاتفاقية المذكورة ومخالفة لمبدأ عدم التدخل الذي لم يُنص عليه في هذه الاتفاقية بل هو مبدأ عام في التشريعات الداخلية والدولية وأصبح بمثابة قاعدة من قواعد النظام العام الدولي.

ولكن في الوقت نفسه نجد أن هناك في الجهة المقابلة من يتمسك بحبال المادة 26 من الاتفاقية التي تقول: «ومع ما تقتضي به القوانين والأنظمة المتعلقة بالمناطق التي حظر الدخول إليها أو حُدد لأسباب تتعلق بالأمن الوطني فإنه يجب على الدولة المعتمد لديها أن تضمن لكل أعضاء البعثة حرية التنقل والمرور في أراضيها».. وبالتالي فالبعض يجد أن المستفاد من هذا النص بأن الدبلوماسي له حرية التنقل والحركة في أراضي الدولة كافة من دون قيد أو شرط، فهل هذا صحيح؟ إن من يتمسك بصلب هذه المادة وحرفيتها فهو بعيد كل البعد عن الصواب والمنطق، فمن المستحيل أن تسمح أي دولة أن تكون أراضيها مباحة للمبعوثين الدبلوماسيين وإلا كان أمنها الوطني في حالة خطر محدق ويهددها في أي لحظة بسبب تعريض أمنها الوطني للخطر الخارجي، فالسلطات السوفييتية لجأت إلى تحديد المجال الذي يستطيع الدبلوماسيون المعتمدون لديها بحدود 40 إلى 50 كيلو متراً وخارج حدود هذه المسافة يحتاج الدبلوماسي إلى إذن خاص، وكذلك الأمر بلجيكا حيث أقامت نظاماً خاصاً لدائرة تنقل الدبلوماسيين السوفييت والرومانيين في عام 1953 حيث يتوجب عليهم إبلاغ إدارة المراسم في وزارة الخارجية عن تحركاتهم وأن يكون هذا الإبلاغ قبل 48 ساعة من التنقل حتى أن الاتحاد السوفيتي في 10 نيسان 1964 ألقى القبض على 4 دبلوماسيين أمريكيين اتهمهم بالتجسس ومنعهم من مغادرة العاصمة لمدة تسعين يوماً، ولكن بشكل عام يمكن القول إن الدولة هي التي تحدد أسباباً معينة تتحكم بتحركات الدبلوماسيين على أراضيها وهذه الأمور يمكن تلخيصها بما يلي:

1- بموجب القانون والتعليمات.

2- أمور متعلقة بالمناطق المحظورة أو التي جرى حظرها لأسباب تتعلق بالأمن القومي كأن توضع بعض اللافتات التي تمنع بموجبها الدخول لفئة من الأشخاص المعنيين أو المعنيين صراحة.

3- كذلك الأمر يمكن تطبيق هذه الإجراءات وتقييد تحركات الدبلوماسيين على أراضيها في حالات الحروب الأهلية أو في حالة وجود نزاعات داخلية، ففي هذه الأحوال تقوم الدولة بفرض الحظر المؤقت على مثل هذه المناطق لأسباب تتعلق بالأمن القومي، وبالتالي لتطبيق هذه المواد نجد أن السفيرين يعلمان مسبقاً بالأوضاع الداخلية في سورية وحالة التوتر التي تشهدها البلاد ووجود العصابات المسلحة والجماعات الإرهابية ومع ذلك فقد غادرا مقري سفارتيهما من دون الحصول على إذن أو ترخيص من وزارة الخارجية السورية، ولكن زيارتهما هذه لا يمكن تفسيرها إلا تدخلاً في شأن الدولة السورية لأنه من غير المعقول أن تكون هذه الزيارة للاستجمام والسياحة لأنهما لم يقوما بزيارتها في الأوقات العادية حتى يستجما في خضم هذه الظروف الصعبة.

الأدوات القانونية التي تمتلكها سورية للحد من هذه التصرفات غير المشروعة

إن سجل الولايات المتحدة بالنسبة لخرقها للسيادة الوطنية السورية وتدخلها بشؤونها الداخلية قد سجل العديد من الانتهاكات، ولعل أشهرها قانون محاسبة سورية الذي يشكل ضربة قاصمة لجهود منظمة الأمم المتحدة وميثاقها الذي أكد على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

وانتهاك السفير الأميركي للسيادة الوطنية السورية وزيارته لمدينة حماة ليست هي المرة الأولى في سجل الولايات المتحدة، فقد حصلت حادثة مشابهة عندما قام السفير الأميركي في الستينيات بزيارة مدينة اللاذقية للقاء بعض شخصيات المعارضة لنظام الحكم في تلك الفترة.

أمام هذا التحدي الواضح للقانون الدولي لا بد من وجود عدد من الإجراءات التي تمتلكها الدولة السورية لمواجهة هذه التصرفات غير المشروعة:

أولاً: الإعلان عن أنه شخص غير مرغوب فيه: لقد جاء في المادة التاسعة الفقرة الأولى من اتفاقية فيينا: «يمكن للدولة المعتمد لديها وفي أي وقت ومن دون ذكر الأسباب أن تبلغ الدولة المعتمدة أن رئيس البعثة من طاقم بعثتها الدبلوماسية أصبح شخصاً غير مرغوب فيه أو أي عضو آخر من البعثة شخصاً غير مقبول، وعلى الدولة المعتمدة أن تستدعي هذا الشخص وتنهي أعماله لدى البعثة حسب الحالة، ويمكن أن يصبح الشخص غير مرغوب فيه أو غير مقبول قبل أن يصل إلى أراضي الدولة المعتمد لديها».

وبالنسبة للحالات التي يمكن للدولة أن تعلن أن شخصاً ما غير مرغوب فيه هي حالات التجسس السياسي والعسكري، وحالات التدخل في الشؤون الداخلية للدولة المعتمد لديها كإثارة الاضطرابات الاجتماعية أو اللقاءات مع القوى السياسية المعارضة للنظام السياسي وتنميتها، ومن الأمثلة على ذلك هي: قطيعة السفير السوفييتي في باريس الذي كان موجوداً في موسكو سنة 1927 عندما أعلنت الحكومة الفرنسية أنه شخص غير مرغوب فيه لتوقيعه على بيان يدعو «برولتياريا» العالم لحمل السلاح ضد حكومات الدول التي تواجه الاتحاد السوفييتي الأمر الذي اعتبرته فرنسا تدخلاً في شؤونها الداخلية.

اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية هي الاتفاقية الدولية الإطارية التي نظمت للعمل الدبلوماسي

لذلك نجد أن الدولة السورية كانت أمام حل قانوني عادل وسليم فيما إذا لجأت إلى الإعلان عن أن كلاً من السفيرين شخصان غير مرغوب بهما ولكن يبقى لهذا الأمر محاذيره السياسية التي لا تلجأ إليها الدولة إلا في حالات معينة.

ثانياً: مبدأ المعاملة بالمثل: لعل المثال الأميركي البارز وهو قانون محاسبة سورية التي سعت الإدارة الأمريكية إلى استصداره عبر «الكونغرس» الأمريكي عام 2003 والذي تضمن سلسلة من العقوبات على الدولة السورية، ومن هذه العقوبات منع الدبلوماسيين السوريين من المغادرة خارج 25 ميلاً من حدود سفاراتهم، فهذا الأمر يشكل في الأحوال العادية ضربة قاصمة لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية في تعرضها للامتيازات والحصانات المقررة للمبعوثين الدبلوماسيين، فهنا يمكن للحكومة السورية أن تنتهج هذا المبدأ وتقرر مبدأ المعاملة بالمثل حيث يمكن لوزارة الخارجية أن تسعى إلى إصدار قانون يسمى قانون تنقل للدبلوماسيين المعتمدين في الجمهورية العربية السورية يحدد هذا القانون أوضاع التنقل خلال الظروف الاستثنائية التي قمنا بإيرادها، ومفاد هذا القانون أن يتم تحديد الجهة المراد التوجه إليها من قبل الدبلوماسي الأجنبي والغرض من الزيارة ومدة الزيارة والوسيلة المتبعة والمسار الذي سوف يتبعه وضرورة تقديم طلب إلى إدارة المراسم في وزارة الخارجية لأجل ذلك وضرورة حصول الموافقة.

ثالثاً: الإجراء الثالث الذي يمكن للدولة السورية القيام به هو في حال تكرار هذا الأمر من قبل هذا السفير أو سواه هو إلقاء القبض عليه ومحاكمته أو إرساله إلى دولته لمحاكمته، وذلك لوجوده في حالة جرم مشهود حيث ينطبق على العمل الذي قام به الصفة الجرمية، وفي هذا الصدد لا يمكن لدولته أن تتذرع بأنها لا تعلم بماهية التصرف الذي قام به فهو مبعوثها وهي مسؤولة عنه ما دام يمثلها.

إذاً هذه هي الولايات المتحدة وهذا هو منطقها منذ وجودها منطق خرق القانون والتعدي على حرمات الدول الأخرى والتدخل بشؤونها، وكأنها القائد لهذا العالم توجه الأوامر لمن تشاء وتفرض العقوبات على من تشاء من الدول المناهضة لسياساتها ومصالحها، وخاصة في ظل عالم تغيب عنه مفاعيل الشرعية الدولية ولا سيما في ظل غياب دور منظمة الأمم المتحدة لكونها المنظمة الدولية الموكول إليها مهمة حفظ السلم والأمن الدوليين بالدرجة الأولى.

Facebook طباعة أرسل لصديق
: الاسم
: البريد الإلكتروني
: التعليق
الانتخابات وما نريد ..؟؟
سورية «بكرى»
المواطنة حقوق.. ومسؤوليات وواجبات
فساد الحكومة من فساد المواطن ... بقلم : فادي رجب